اعتبرت صحيفة الـ"واشنطن بوست" الأمريكية أمس أن النزاع الدائر حول "جزيرة الدهب" التي تطلق عليها الحكومة اسم "القرصاية" هو نموذج للصراع بين الفقر والسلطة في مصر، مشيرة إلي أن تدخل جهات سيادية في الجزيرة ترك علامات استفهام لدي سكانها.
وجاء في التقرير الذي كتبته مراسلة الصحيفة في القاهرة "إلين ماكنماير"، ونشر في صفحتها الأولي، أن حملة الجزيرة أوجدت نوعا من التضامن بين قاطني الجزيرة من المسلمين والمسيحيين، الذين شاركوا في حماية الجزيرة من عودة الجيش المصري إليها، مشيرة إلي أنه بينما توجه المسلمون إلي مساجد القرية للدعاء والصلاة، نظم المسيحيون دوريات المراقبة.
وقالت الصحيفة إن قوات الجهات السيادية هبطت علي الجزيرة في سبتمبر، وعندما حاول المزارعون الغاضبون مواجهتهم ودفعهم للتقهقر أطلق جنود الجيش النار في الهواء.
لقد أقام الجنود سياجا، واحضرت الجنود القوارب والبلدوزرات وحواجز حديدية، إلي الجزيرة ولم يخبر الجيش أو الحكومة سكان الجزيرة من يريد أرض الجزيرة؟، ولماذا؟، ونقلت الصحيفة عن أحد المزارعين وهو "ماهر يوسف إبراهيم جمعة" قوله بمرارة: "كل ما قالوه إنهم يريدون أن يضربونا علي رؤوسنا والقائنا في المياه".
ومنذ 3 أسابيع عادت المراكب لنقل جنود أكثر، وهذه المرة كانوا يريدون أرض جمعة.
وصل القارب الأول مع الفجر، وكان جمعة لوحده في أرضه التي تقع علي النيل حيث طلب منه الجنود الشاي، وعندما وصلت القوارب الأخري، وعلي متنها عشرات الجنود نهض الضباط، وقالوا له: شكرا جزيلا، والآن من فضلك تنحي جانبا نحن نريد منزلك وأرضك، حسبما يتذكر جمعة الذي لفحت الشمس سمار بشرته.
لقد جري ذهن جمعة سريعا وقال للضباط: طبعا ولكن لماذا لا تحضرون هنا في الشمس وتشربون مزيدا من الشاي؟.
وعندما وقف الجنود في الشمس رأهم عدد آخر من الفلاحين العاملين في حقولهم، وأتوا مسرعين وتركت النساء مطابخهن ومحاصيلهن.
وصرخت النساء علي الجنود "كفرة مفترين" بعضهن كان يحتضن أطفالا رضع إلي صدورهن وجلست النساء متربعات علي ضفة النهر ومنعوا الجنود من الدخول إلي الحقول.. بينما حفر الرجال قبورا كرمز علي تصميمهم الاحتفاظ بالأرض.
وقال ضابط في فيلم مصور التقطه أحد السكان بالمحمول لأحد الفلاحين الراقدين في مقبرة "ماينفعش كده".
انسحب الجنود في هذا اليوم، واستمر سكان الجزيرة في حراسة أرضهم، وقال "أشرف كمال" فلاح 46 عاماً "سوف نموت حماية لأرضنا".
وقالت أم خالد 56 عاماً ذات البشرة المتشققة وهي تجلس بالقرب من فرن طيني مغطي بأعواد القش "احنا هنموت وهما كمان هيموتوا" وهزت بأصبعها الممتلئة بالدقيق إلي الأرض علامة علي التصميم.
وأضافت الصحيفة أن بضعة آلاف من المزارعين وصيادي السمك يعيشون علي مساحة تقدر بنحو 24 فدانا.
وقالت إن 95% من المصريين البالغ عددهم أكثر من 80 مليون يعيشوناً علي ضفاف نهر النيل، ويعرفون جيدا قيمة الأرض الثمينة.
بينما يحيط بالجزيرة -وعلي ضفاف النيل- الأبراج الفخمة والفنادق الفاخرة، ويتركز في تلك المباني الخرسانية المرتفعة، نسبة ضئيلة من سكان القاهرة البالغ عددهم 16 مليون نسمة.
ويقدر الخبراء أن ما يزيد علي نصف سكان القاهرة يعيشون في أشباه بيوت ويزدحمون في مساكن غير صحية، أو عشش علي أسطح العمارات، أو في المقابر وعلي أطراف العاصمة، وغالبا ما يتم طرد هؤلاء.
وقال المتحدث باسم رئيس مجلس الوزراء "مجدي راضي" إن الحكومة تنوي تحويل أرض المزارعين إلي "منفعة عامة" ولا توجد لديها خطط ثابتة أو جدول زمني، ويؤكد المسئولون أن سكان الجزيرة إما مستأجرون أو واضعو اليد.
وقال "راضي" إن الحكومة تملك كل الجزر النيلية رغم قيام أفراد بتطوير بعضها.. وأن انتهاكات الناس علي الجزر تزداد، ويقومون ببناء مزيد من المنازل، وتقوم وزارة الري بتقدير حجم هذه الانتهاكات .. ولن يتم طرد أي مزارع بدون تعويض.
بينما يقول السكان إن الجهات السيادية استولت علي أرض 8 مزارعين، وأجبرهم علي توقيع تنازل عن حقوقهم تحت التهديد باتخاذ إجراءات قانونية عسكرية بسبب احتجاجهم ضد الجيش، ولم يتم تعويض أي من المزارعين.
ويصر سكان الجزيرة علي أن قرارات الحكومة السابقة، ووجودهم عبر أجيال توالدت علي الجزيرة يجعل الأرض ملكا لهم بشكل قانوني. ويقول جمعة إن الجيل الرابع من عائلته يعيش علي هذه الأرض.
وتعرف الجزيرة باسم "جزيرة الدهب" نظرا لثراء تربتها، الذي مكنها من أن تصبح سلة الغذاء للعاصمة عندما كانت تزرع الخضراوات وتقوم بإنتاج الجبن والألبان.
واستخدمت الحكومة عدة أسماء للجزيرة منها "القرصاية" بينما يصر السكان علي أن "القرصاية" هو اسم يستخدمونه لجزء من الجزيرة ويشكون من أن استخدام هذا الاسم هو محاولة من الحكومة لتغيير الاسم الذي تشير إليه وثائقهم ومن ثم تخصيصها لأناس آخرين.
أظهر المزارعون بطاقات إثبات الشخصية لهم، ووثائق تتضمن شهادات ميلاد بخط اليد موقعة في الحقبة العثمانية، تؤكد علي طول الفترة الزمنية التي عاش خلالها أهلهم علي هذه الجزيرة وتوضح الوثائق أن منازل هؤلاء الأشخاص تقع في جزيرة الدهب"، أو جزيرة "بين البحرين" القريبة. ونقلت الصحيفة عن أحد سكان الجزيرة "محمد علي" قوله إن طريقتنا في الحياة مختلفة عما حولنا، وقال "جمعة" حياتنا أجمل كل ما نريده أن "يسيبونا في حالنا".
يعيش الفلاحون هذه الأيام في مزارعهم، في حالة ترقب وأعينهم مركزة علي النهر والخوف من البلدوزر لا يغادرون، ومع هذا لم يتوقفوا عن تقديم الشاي والطعام إلي جنود الحراسة الحكوميين المتمركزين علي بعد خطوات قليلة منهم، وعيونهم لا ترتفع من الفلاحين، الذين يراقبونهم بدورهم، وهم يضربون الأرض بفئوسهم.
وقالت الـ"واشنطن بوست": لقد فتحت محاولة الاستيلاء علي الجزيرة، جبهة أخري في المعركة المصيرية حول الحياة في مصر، والصراع المستمر للسلطة ضد الفقر
كتبها kareem elbehirey في 11:55 مساءً ::
